تتجه السعودية بخطى متسارعة إلى توظيف الزخم الذي يشهده قطاعها العقاري كرافعة رئيسية لجذب الاستثمارات الأجنبية ودعم التحول الاقتصادي، في إطار رؤية شاملة تستهدف إعادة تشكيل سوق الإسكان وفتح آفاق جديدة أمام المطورين والمستثمرين من داخل المملكة وخارجها.
مشاريع عملاقة تعكس تحوّل المشهد العمراني
على أطراف العاصمة الرياض، تتوسع مجتمعات سكنية حديثة تضم آلاف الوحدات الجديدة المخصصة للعائلات، في مشهد يعكس تغيرًا جذريًا في أنماط البناء والتخطيط العمراني.
ويُعد مشروع «خزام»، الذي تتجاوز استثماراته 100 مليار ريال، نموذجًا لهذا التحول، إذ يجسد توجه الدولة لمعالجة تحديات القدرة على تحمل تكاليف السكن وفي الوقت ذاته تعزيز جاذبية السوق للمستثمرين الدوليين.
«الإسكان الوطنية» تقود سباق التطوير
وتتصدر الشركة الوطنية للإسكان، المدعومة حكوميًا، مشهد التطوير العقاري بمشاريع تُقدّر قيمتها بنحو 250 مليار ريال في مختلف مناطق المملكة.
وتضخ الشركة مليارات الريالات في مشروعات ضخمة مثل «خزام»، في وقت تشارك فيه شركات خاصة محلية وأجنبية في موجة بناء غير مسبوقة. وقد وصلت جاذبية السوق إلى استقطاب أسماء عالمية، من بينها شركات تطوير دولية تعمل بشراكات داخل المملكة.
إصلاحات تنظيمية تفتح الباب أمام الأجانب
وتتزامن الطفرة العمرانية مع حزمة إصلاحات تنظيمية مرتقبة، من بينها تشريعات تتيح للمستثمرين والمشترين الأجانب امتلاك عقارات في السوق السعودية ضمن نطاقات ومشروعات محددة.
ويرى مطورون أن هذه الخطوة تمثل تحولًا نوعيًا من شأنه توسيع قاعدة الطلب وتعزيز التدفقات الرأسمالية إلى القطاع.
انفتاح مالي يعزز جاذبية الاستثمار
ويأتي ذلك في سياق أوسع من الانفتاح الاقتصادي، حيث فتحت المملكة مؤخرًا سوق الأسهم أمام جميع المستثمرين الأجانب، في خطوة تهدف إلى تعزيز تدفقات رؤوس الأموال إلى أكبر سوق مالية في الشرق الأوسط. كما تعمل الجهات المعنية على تخفيف القيود على المقيمين الأجانب وتحديد المناطق المؤهلة لتملك غير السعوديين للعقارات.
القانون الجديد «نقطة تحول» للسوق
ويؤكد خبراء أن الإطار التنظيمي الجديد يمثل نقطة تحول حقيقية لسوق العقارات، متوقعين تدفقًا كبيرًا لرؤوس الأموال الباحثة عن فرص في التطوير والتمويل.
كما يشيرون إلى أن تجارب إقليمية سابقة أظهرت أن السماح للأجانب بالتملك يمكن أن ينعش العرض والطلب ويستقطب شرائح واسعة من المستثمرين حول العالم.
قاعدة سكانية تدعم الطلب طويل الأجل
ويرى محللون أن السعودية تمتلك مقومات استقرار أكبر مقارنة ببعض الأسواق الإقليمية، مدعومة بقاعدة سكانية واسعة تقترب من 35 مليون نسمة، بينهم شريحة شبابية كبيرة، ما يعزز توقعات الطلب المستقبلي على المساكن.
كما يُنظر إلى ملف الإسكان بوصفه عنصرًا محوريًا في سياسات ولي العهد الرامية إلى إشراك الأجيال الجديدة في مسار التحول الاقتصادي والاجتماعي.
شراكات دولية وتوسع في البناء
ويتوقع خبراء أن يتيح القانون الجديد للمطورين والموردين والمقاولين الأجانب دخول السوق من خلال مشروعات مشتركة مع الشركات المحلية على قدم المساواة.
وتشير تقديرات متخصصة إلى أن المملكة ستشهد بناء أكثر من 600 ألف وحدة سكنية بحلول 2030، من بينها أكثر من 110 آلاف وحدة متوقعة في عام 2026 وحده.
قفزات سعرية وضغوط على الإيجارات
وشهدت السوق خلال السنوات الماضية ارتفاعات كبيرة في أسعار العقارات، حيث قفزت أسعار الشقق في الرياض بنحو 96% منذ 2019 حتى الربع الثالث من 2025، بينما ارتفعت أسعار الفلل بنحو 53%.
كما أسهم توافد الشركات والوافدين في زيادة الإيجارات بمعدلات سنوية ملحوظة، ما دفع السلطات إلى اتخاذ إجراءات للحد من الارتفاعات غير المبررة ودعم التوازن السعري عبر تسريع وتيرة البناء.
أهداف حكومية لرفع نسب التملك
وتلعب الشركة الوطنية للإسكان دورًا محوريًا في تحقيق هدف رفع نسبة تملك المساكن إلى 70% بحلول 2030، من خلال بناء مئات الآلاف من الوحدات الجديدة في مختلف المناطق.
وتؤكد إدارة الشركة أن تسليم المجتمعات السكنية سيشهد تسارعًا ملحوظًا خلال السنوات المقبلة بعد تجاوز تحديات لوجستية وسلاسل الإمداد.
منظومة تطوير متكاملة عبر شراكات عالمية
وفي إطار بناء منظومة تطوير شاملة، عقدت الشركة اتفاقيات مع مطورين وشركات إنشاء من دول عدة عبر مشاريع مشتركة، بهدف تعزيز الطاقة الإنتاجية وتأسيس سلاسل إمداد قريبة من السوق المحلية.
وتمتلك الشركة عشرات الآلاف من الوحدات قيد الإنشاء في مدن رئيسية مثل جدة والدمام ومكة المكرمة والمدينة المنورة.
مبيعات قياسية ونمو في الطلب
وسجلت الشركة مبيعات قياسية خلال العامين الماضيين، مدفوعة بتزايد الطلب وانتقال أعداد متزايدة من السكان إلى المجتمعات السكنية الحديثة.
ويعكس هذا التوجه تحولًا في أنماط السكن من الأبراج التقليدية إلى مجمعات متكاملة تضم خدمات ومرافق متنوعة تهدف إلى تقليل وقت التنقل وتحسين جودة الحياة.
تغير في ثقافة السكن وأنماط المعيشة
وشهدت السنوات الأخيرة تحولًا لافتًا في تفضيلات السكن، حيث بدأ كثير من الشباب في التخلي عن المنازل الكبيرة عالية التكلفة، لصالح الشقق والمنازل المتلاصقة ضمن مجتمعات سكنية توفر مرافق مشتركة وخدمات قريبة، في استجابة لارتفاع تكاليف المعيشة ومتطلبات الحياة العصرية.
مشاريع خاصة بمليارات واستثمارات أجنبية
وفي موازاة المشاريع الحكومية، تستعد شركات تطوير خاصة لإطلاق مشروعات جديدة بمليارات الريالات في العاصمة ومدن أخرى، تشمل آلاف الوحدات السكنية ومرافق فندقية وتجارية.
ويؤكد مطورون أن قرب فتح السوق أمام التملك الأجنبي غيّر طبيعة الطلب، مع ظهور اهتمام من مستثمرين إقليميين وصناديق أجنبية بالدخول إلى السوق السعودية.
مؤسسات كبرى على أعتاب السوق
ويرجّح خبراء أن تشهد المرحلة المقبلة دخول مؤسسات استثمارية كبرى بسرعة إلى السوق السعودية، مستفيدة من الخبرات المكتسبة في أسواق المنطقة، ما سيؤدي إلى تدفق مزيد من الاستثمارات، وتزايد عدد المطورين، وتوسّع المشاريع المشتركة والشراكات، في ظل القواعد التنظيمية الجديدة














